مجموعة مؤلفين
269
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
فلم يفعل ، فقد قتله . أما انه ما قتله بسيف ولا رمح ، ولكنه قتله بما نكأ من قلبه » ( 1 ) . ونكأ القلب جرحه أو قتله . ومن أبشع صور ذل الفقير ، أن يتذلل إلى انسان مثله لمجرد كونه غنيا ، مستهينا بعزة الايمان . يقول الإمام علي ( ع ) : « ومن أتى غنيا فتواضع له لغناه ، ذهب ثلثا دينه » ( الحكمة 228 نهج ) . ويقول ( ع ) : « ما أقبح الخضوع عند الحاجة ، والجفاء عند الغنى » ( الخطبة 270 نهج ) وتبلغ نظرة الناس إلى الفقير مبلغا من الاحتقار تجعله يخرس عن إبداء حجته التي لا يصغى إليها الناس ، فان تكلم بحق أسكته الناس وكذبّوه ، وإذا أخطأ استكبروا خطيئته . ولم يعنه أحد على ضعفه ومسكنته ، فيشعر أنه غريب وان كان يعيش في وطنه ، ولا يرمق من بعيد إلا صورة من يأتي ليطالبه بدينه أو بأجرة بيته . لذلك قال الإمام علي ( ع ) في أبلغ عباراته : « الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة » ( الحكمة 56 هج ) . وقال ( ع ) : « الفقر يخرس الفطن عن حجته ، والمقلّ غريب في بلدته » ( الحكمة رقم 3 نهج ) . وقال ( ع ) : « إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه » ( الحكمة رقم 8 نهج ) . أما الغني فكل الناس تعظمّه وتسلّم عليه وتطلب القرب منه ، وإذا جلس في مجلس بجلّوه ، وإذا تكلم بكلام سخيف عظمّوه ، وإذا أخطأ اغفلوا خطأه . . . حتى إذا ما ذهب ماله وقلّ خيره إنفضّوا من حوله ، كالشجرة المثمرة إذا انتهى موسم ثمرها وسقطت أوراقها لم يأتها أحد . وما أحسن ما قيل في ذلك : المرء في زمن الاقبال كالشجرة * والناس من حولها ما دامت الثمرة حتى إذا راح عنها حملها رحلوا * وخلفوها تقاسي الحرّ والغبرة تبّا لا بناء هذا الدهر كلهم * حتى ولا واحد يصفو من العشرة وقال أحدهم : يغطي عيوب المرء كثرة ماله * يصدّق فيما قال وهو كذوب
--> ( 1 ) - سفينة البحار ج 2 ص 377 ( باب فقر ) .